قراءة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين

الأستاذ جميل حمداوي

يعد الميثاق الوطني للتربية والتكوين دستور الإصلاح التربوي والنظام التعليمي في المغرب الجديد حيث جاء ليساير المستجدات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية التي تعرفه بلادنا بعد مجموعة من الأزمات التي عرفها قطاع التعليم، انتهت باللجوء إلى التقويم الهيكلي مع منتصف الثمانينيات والذي أفرز بدوره تعليما هشا ورديئا سينتهي بدوره إلى التفكير في وضع إصلاح تربوي شامل تضعه لجنة من رجال المقاولة والتعليم والإدارة والمجتمع السياسي والمدني....إذاً، ماهو الميثاق للتربية والتكوين؟ وماهي مضامينه ودلالاته؟ وما هي مواطن قوته وضعفه؟

الميثاق الوطني هو منظومة إصلاحية تضم مجموعة من المكونات والآليات والمعايير الصالحة لتغيير نظامنا التعليمي والتربوي وتجديده على جميع الأصعدة والمستويات قصد خلق مؤسسة تعليمية مؤهلة وقادرة على المنافسة والانفتاح على المحيط السوسيواقتصادي، ومواكبة كل التطورات الواقعية الموضوعية المستجدة، والتأقلم مع كل التطورات العلمية والتكنولوجية ولاسيما في مجالات: الاتصال والإعلام والاقتصاد. ويعتبر الميثاق الوطني مشروعا إصلاحيا كبيرا و أول أسبقية وطنية بعد الوحدة الترابية وعشرية وطنية(2001-2010) لتحقيق كافة الغايات والأهداف المرسومة من إخراج البلد من شرنقة التخلف والأزمات والركود والرداءة إلى بلد متطور حداثي منفتح تسوده آليات الديمقراطية والجودة و القدرة على المنافسة والمواكبة الحقيقية.

هذا، ويتكون الميثاق الوطني من قسمين أساسيين: إذ خصص القسم الأول للمرتكزات الثابتة لنظام التربية والتكوين والغايات الكبرى المتوخاة منه وحقوق وواجبات كل الشركاء والمجهودات الوطنية لإنجاح الإصلاح، والقسم الثاني فقد خصص لمجالات التجديد ودعامات التغيير. كما قسم القسم الثاني إلى ستة مجالات كبرى وتسع عشرة دعامة للتغيير. وهذه المجالات الستة الأساسية هي:

1- نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي.

2- التنظيم البيداغوجي.

3- الرفع من جودة التربية والتكوين.

4- الموارد البشرية.

5- التسيير والتدبير.

6- الشراكة والتمويل.

يستند الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى مجموعة من المبادئ والثوابت كالاهتداء بالعقيدة الإسلامية وروح الوطنية و التشبث بالملكية الدستورية والتمسك بالتراث الحضاري والثقافي واللغوي المغربي العريق والتوفيق بين الأصالة والمعاصرة والسعي بالمغرب نحو امتلاك ناصية المعرفة والتكنولوجيا الحديثة. أما عن الغايات الكبرى فتتمثل في جعل المتعلم محور الإصلاح والتغيير عن طريق رفع مستواه التحصيلي والمعرفي والمهاري وذلك بتلبية حاجياته الذهنية والوجدانية والحركية. و العمل على تكوين أطر مستقبلية مؤهلة ومؤطرة كفأة قادرة على الإبداع والتجديد وتنمية البلاد. وتسعى بنود الميثاق إلى جعل المدرسة المغربية مدرسة منفتحة سعيدة مفعمة بالحياة والتنشيط وجعل الجامعة كذلك جامعة منفتحة وقاطرة للتنمية. وينبغي أن تكون المؤسسات التربوية سواء أكانت مدارس أم جامعات أفضية للحريات والحقوق الإنسانية وأمكنة للحوار والتعلم الذاتي. ولابد من شراكة حقيقية مع الجماعات المحلية و الآباء وأولياء الأمور و الشركاء الآخرين للمساهمة في النهوض بالقطاع التعليمي قصد تحقيق الجودة والتعميم وإجبارية التمدرس. ومن ثم، سيكون الإصلاح التربوي ميثاقا وطنيا عشريا ذا أهمية وطنية كبرى يحقق نتائجه بشكل مرحلي متدرج خاضع للمراقبة والتقويم والتتبع.


ويهدف الميثاق الوطني للتربية والتكوين في مجاله الأول إلى نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي عن طريق تعميم تعليم جيد في مدرسة متعددة الأساليب ومحاربة الأمية في إطار التربية غير النظامية للقضاء عليها تدريجيا في 2010 بنسبة 20% وبشكل نهائي في 2015 بنسبة100% ولن يتم ذلك إلا في إطار اللامركزية والشراكة في التربية بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني والسلطات المحلية والمجتمع السياسي والمنظمات الحكومية وغير الحكومية مع توظيف الإعلام المرئي لتحقيق الأهداف المسطرة للقضاء كليا على الأمية بكل أنواعها، فضلا عن خلق تلاؤم أكبر بين النظام التربوي والمحيط الاقتصادي عن طريق الاندماج المتبادل بين المؤسسة التعليمية والمحيط البيئي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمهني أو عبر الانفتاح الوظيفي على الحياة العملية وآفاق الإبداع إما بواسطة التمرس والتكوين بالتناوب وإما عن طريق التكوين المستمر.

ويستهدف المجال الثاني من مجالات الميثاق التنظيم البيداغوجي وإصلاحه وتغييره عن طريق إعادة الهيكلة وتنظيم أطوار التربية والتكوين ابتداء من التعليم الأولي و الابتدائي والثانوي الإعدادي والتأهيلي والجامعي عن طريق تنظيم أسلاك التعليم وشعبه وشواهده وأهدافه ومضامينه وأساليب تقويمه مع مراعاة تطوير التعليم الأصيل والمجموعات ذوي الحاجات الخاصة كأبناء الجالية في الخارج واليهود المغاربة. كما يستتبع الإصلاح البيداغوجي إصلاح أنظمة التقويم والمراقبة المستمرة والتتبع والمراقبة بموازاة مع إصلاح التوجيه التربوي والمهني.

أما المجال الثالث فيسعى إلى الرفع من جودة التربية والتكوين عبر مراجعة البرامج والمناهج والكتب المدرسية والوسائط التعليمية وتدبير بشكل أفضل لاستعمالات الزمن والإيقاعات المدرسية والبيداغوجية وتحسين تدريس اللغة الأمازيغية واستعمالها وإتقان اللغات الأجنبية من أجل امتلاك مفاتيح وآليات العلم والمعرفة والتكنولوجيا والتفتح على الأمازيغية لمعرفة مكونات الهوية الثقافية والحضارية دون أن ننسى الاستعمال الأمثل والوظيفي للتكنولوجيات الجديدة والإعلام والتواصل وتشجيع التفوق والتجديد والبحث العلمي وإنعاش الأنشطة الرياضية والتربية البدنية المدرسية والجامعية والأنشطة الموازية.

وفي المجال الرابع الخاص بالموارد البشرية، يتم التركيز على حفز الموارد البشرية وإتقان تكوينها وتحسين ظروف عملها ومراجعة مقاييس التوظيف والتقويم والترقية مع تحسين الظروف المادية والاجتماعية للمتعلمين والعناية بالأشخاص ذوي الحاجات الخاصة ولاسيما المعاقين منهم.
وفي المجال الخامس المتعلق بالتسيير والتدبير،فقد دعا الميثاق الوطني إلى سن سياسة اللامركزية وإقرار اللاتمركز في قطاع التربية والتكوين وتحسين التدبير العام وتقويمه بطريقة مستمرة وتوجيهه اعتمادا على سياسة التدبير ومحاربة البذخ والتبذير و ترشيد النفقات والتحكم في الإنفاق بانتهاج الشفافية والمحاسبة والديمقراطية وسياسة التوازن بين الموارد والمصاريف. ويعمل المجال كذلك على تنويع أنماط البنايات والتجهيزات وضبط معاييرها وملاءمتها لمحيطها وترشيد استغلالها وحسن تسييرها
ويخص المجال السادس والأخير مجال الشراكة والتمويل عن طريق حفز قطاع التعليم الخاص وضبط معاييره وتسييره ومنح الاعتماد لذوي الاستحقاق وتعبئة موارد التمويل وترشيد تدبيرها.
وعلى الرغم من هذه المستجدات والمجالات والدعامات الإصلاحية الإيجابية والطموحة التي ينص عليها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، فإن الواقع يعطينا انطباعا مخالفا لماهو في الميثاق، فبدلا من أن تتحقق الجودة التربوية في مؤسساتنا التعليمية والإدارية، فإننا نجد الرداءة تزداد يوما عن يوم في شتى الميادين التابعة لقطاع التعليم ناهيك عن اللامبالاة والتسيب والبطء والروتين والتسلسل الإداري المميت، إلى جانب العزوف عن الدراسة والتثقيف من قبل المتعلمين، وانتشار الأمية والتفكير في الهجرة إلى الخارج و"الحريـــگ" مع تنامي ظاهرة البطالة والعطالة المستمرة، والتأثير السلبي لتأميم التعليم والعمل على نشره في القرى والمدن الذي اتخذ بعدا كميا وعدديا على حساب الجودة التربوية و التأهيل الكيفي.

 كما أثر ترشيد النفقات على التعليم بشكل سيء حيث لاتستطيع المؤسسات التعليمية تسيير نفسها بنفسها لانعدام الإمكانيات المادية والمالية والبشرية، فحتى التسيير في إطار نظام Sigma لم يتحقق على مستوى الميدان وأصبح شعارا نظريا طموحا ينتظر التفعيل الميداني. ولقد قدمت المغادرة الطوعية في مجال التربية والتعليم تصورا سيئا عن سياسة الترقيع والمحسوبية والارتجال العشوائي والتفريط في الكفاءات الوطنية ولاسيما الجامعية منها استجابة لقرارات البنك الدولي الذي يستهدف تركيع المغرب وإذلاله وإفقاره من الكوادر والأطر الوطنية لأسباب في نفس يعقوب من أجل منحه حفنة من القروض لتدبير أموره الاستعجالية، وهذه السياسة لاتتلاءم أصلا مع مبادئ الميثاق الوطني وتوجيهاته في الشفافية و الديمقراطية وترشيد النفقات والتأهيل الجيد والتسلح بالروح الوطنية والأخلاقية وتحقيق الجودة. وأخاف كثيرا من تحول الميثاق الوطني إلى شعارات موسمية ومناسباتية وسياسية إيديولوجية وشكليات بيروقراطية لاعلاقة لها بالواقع العملي والتنفيذي و لاصلة له بجوهر الإصلاح كما يظهر لنا ذلك جليا من خلال الواقع العملي وواقع المنتديات التربوية الإصلاحية التي تسهر الوزارة المعنية على تفعيلها مركزيا وجهويا ومحليا وعلى صعيد المؤسسات ولكن بدون أهداف تذكر( مشروع الإصلاح- مشروع المؤسسة- مفهوم الجودة والارتقاء- الشراكة التربوية....)، كما أن هذه المنتديات الإصلاحية النظرية تتغير مفاهيمها الإصلاحية من سنة إلى أخرى بشكل عشوائي و ارتجالي سريع دون التأكد منها تطبيقيا وعمليا. وحتى إن خرجت هذه المنتديات- التي تشتغل على هامش الميثاق الوطني- بقرارات ومذكرات ومنشورات وزارية ومطبوعات فإنها تبقى حبرا على ورق لانعدام الموارد المادية والمالية والبشرية وتعقيد المساطير الإدارية والقوانين التشريعية والتنظيمية كما يبدو واضحا في تطبيق مشروع المؤسسة والشراكة التربوية وتحقيق الجودة البيداغوجية.وأتمنى في الأخير ألا يبقى الميثاق الوطني ميثاقا نظريا مسطرا في المذكرات والمنشورات الوزارية و ملخصات المنتديات واللقاءات التربوية وموضوعا بين دفتي الكتب والدراسات التربوية النقدية والإصلاحية و مطروحا فوق رفوف المكتبات وأرشيف المكاتب الإدارية والتربوية، بل لابد أن يفعل ميدانيا ويتم إنجازه عمليا وتنفيذه إجرائيا والتحقق منه تقويما وتتبعا من دعامة إلى دعامة ومن مجال إلى آخر.